الغزالي

487

إحياء علوم الدين

وأما الزاد : فليطلبه من موضع حلال ، وإذا أحس من نفسه الحرص على استكثاره وطلب ما يبقى منه على طول السفر ولا يتغير ولا يفسد قبل بلوغ المقصد ، فليتذكر أن سفر الآخرة أطول من هذا السفر ، وأن زاده التقوى ، وأن ما عداه مما يظن أنه زاده يتخلف عنه عند الموت ويخونه فلا يبقى معه ، كالطعام الرطب الذي يفسد في أوّل منازل السفر فيبقى وقت الحاجة متحيرا محتاجا لا حيلة له . فليحذر أن تكون أعماله التي هي زاده إلى الآخرة لا تصحبه بعد الموت ، بل يفسدها شوائب الرياء وكدورات التقصير وأما الراحلة : إذا أحضرها فليشكر الله تعالى بقلبه على تسخير الله عز وجل له الدواب لتحمل عنه الأذى وتخفف عنه المشقة ، وليتذكر عنده المركب الذي يركبه إلى دار الآخرة وهي الجنازة التي يحمل عليها ، فان أمر الحج من وجه يوازى أمر السفر إلى الآخرة ، ولينظر أيصلح سفره على هذا المركب لأن يكون زادا له لذلك السفر على ذلك المركب ، فما أقرب ذلك منه ، وما يدريه لعل الموت قريب ، ويكون ركوبه للجنازة قبل ركوبه للجمل ، وركوب الجنازة مقطوع به ، وتيسر أسباب السفر مشكوك فيه ، فكيف يحتاط في أسباب السفر المشكوك فيه ويستظهر في زاده وراحلته ويهمل أمر السفر المستيقن وأما شراء ثوبي الإحرام : فليتذكر عنده الكفن ولفه فيه ، فإنه سيرتدى ويتزر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت الله عز وجل وربما لا يتم سفره إليه ، وأنه سيلقى الله عز وجل ملفوفا في ثياب الكفن لا محالة ، فكما لا يلقى بيت الله عز وجل إلا مخالفا عادته في الزي والهيئة ، فلا يلقى الله عز وجل بعد الموت إلا في زي مخالف لزى الدنيا ، وهذا الثوب قريب من ذلك الثوب إذ ليس فيه مخيط كما في الكفن وأما الخروج من البلد : فلنعلم عنده أنه فارق الأهل والوطن متوجها إلى الله عز وجل في سفر لا يضاهي أسفار الدنيا فليحضر في قلبه أنه ما ذا يريد وأين يتوجه ، وزيارة من يقصد وأنه متوجه إلى ملك الملوك في زمرة الزائرين له ، الذين نودوا فأجابوا ، وشوّقوا فاشتاقوا واستنهضوا فنهضوا ، وقطعوا العلائق ، وفارقوا الخلائق ، وأقبلوا على بيت الله عز وجل الذي فخّم أمره وعظَّم شأنه ورفع قدره ، تسليا بلقاء البيت عن لقاء رب البيت ، إلى أن يرزقوا منتهى مناهم ويسعدوا بالنظر إلى مولاهم . وليحضر في قلبه رجاء الوصول والقبول